معركة ستالينجراد

ستالينجراد بعد المعركة

كانت معركة ستالينجراد حملة عسكرية وحشية بين القوات الروسية وقوات ألمانيا النازية وقوى المحور خلال الحرب العالمية الثانية. وتُشتهر هذه المعركة بأنها واحدة من أعظم المعارك في الحروب الحديثة، وأطولها، وأكثرها دموية، حيث استمرت من أغسطس 1942 حتى فبراير 1943، وحارب أكثر من مليوني جندي في أماكن قريبة، وسقط ما يقرب من مليوني شخص ما بين قتيل وجريح في الأعمال القتالية، بما في ذلك عشرات الآلاف من المواطنين الروس. ولكن معركة ستالينجراد حولت دفة الحرب العالمية الثانية لصالح قوى الحلفاء.

أهداف هتلر من معركة ستالينجراد

كانت مدينة ستالينجراد التي تمتد على مسافة 30 ميلًا (50 كيلومترًا) تقريبًا على طول ضفاف نهر فولجا، مدينة صناعية كبيرة تنتج الأسلحة والجرارات وكانت المدينة تمثل جائزة مهمة في حد ذاتها للجيش الألماني الغازي. فقد كان من شأن الاستيلاء على المدينة قطع خطوط المواصلات السوفيتية مع جنوب روسيا، وكان من المفترض بعد ذلك أن تعزز ستالينجراد الجناح الشمالي للحملة العسكرية اللألمانية الأكبر تجاه حقول النفط في منطقة القوقاز. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاستيلاء على المدينة التي تحمل اسم الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين كان سيمثل انتصارًا شخصيًّا ودعائيًّا لأدولف هتلر. كان هدف هتلر يتمثل في القضاء على القوات السوفيتية في الجنوب، وتأمين الموارد الأقتصادية للمنطقة، ثم توجيه قواته بعد ذلك إما إلى موسكو في الشمال أو نحو الجنوب للاستيلاء على ما تبقى من منطقة القوقاز. تم تنفيذ الهجوم بواسطة مجموعة الجيوش الجنوبية تحت قيادة المشير فيدور فون بوك. وفي 28 يونيو 1942، بدأت العملية مع تحقيق الألمان لانتصارات كبيرة.

جنود ألمان أثناء معركة ستالينجراد

في يوم 9 يوليو عدّل هتلر من خططه وأمر بالاستيلاء على كل من ستالينجراد والقوفاز في الوقت نفسه. فانقسمت مجموعة الجيوش الجنوبية إلى مجموعة الجيوش أ (تحت قيادة المشير فيلهلم ليست) ومجموعة الجيوش ب (تحت قيادة بوك). وفي غضون أيام تم الاستعاضة عن بوك بالمشير ماكسيميليان فون فايخس لقيادة مجوعىة الجيوش ب. إن تقسيم القوات شكّل ضغطًا هائلًا على نظام الدعم اللوجيستي الذي كان مُنهكًا بالفعل. كما تسبب في فجوة بين القوتين، ما سمح للقوات السوفيتية في الهروب من الحصار والانسحاب نحو الشرق. وعند استيلاء مجموعة الجيوش أ على مدينة روستوف نا دونو، توغلت عميقًا في القوقاز (العملية إديلويس). وحققت مجموعة الجيوش ب تقدمًا بطيئًا نحو ستالينجراد (العملية فيشراير). تدخل هتلر في العمليات العسكرية مرة أخرى وقام بنقل جيش بانزر الرابع بقيادة الجنرال هيرمان هوث من مجموعة الجيوش ب إلى مجموعة الجيوش أ للمساعدة في القوقاز.

رد الفعل السوفيتي

رد ستالين والقيادة العليا السوفيتية على هجوم الصيف من خلال تشكيل جبهة ستالينجراد بواسطة الجيوش الثاني والستين، والثالث والستين، والرابع والستين تحت قيادة المارشال سيميون تيموشينكو. كما وُضع تحت قيادته الجيش الجوي الثامن، والجيش الحادي والعشرين. وعلى الرغم من أن الاستجابة السوفيتية الأولية للعملية الزرقاء تمثلت في الحفاظ على انسحاب منظم وبالتالي تجنب عمليات الحصار الهائلة والخسائر الفادحة في أرواح الجنود التي ميزت الأشهر الأولى من العملية بارباروسا، أصدر ستالين في 28 يوليو الأمر رقم 227، معلنًا أن المدافعين في ستالينجراد لن يتراجعوا خطوة واحدة إلى الوراء. كما رفض أيضًا إخلاء أي مدنيين معلنًا أن الجيش سوف يدافع بقوة أكبر وهو يعلم أنه يدافع عن سكان المدينة.

من جانبه، واصل هتلر التدخل بصورة مباشرة على المستوى العملياتي، وفي أغسطس أمر هوث بتغيير وجهته والتوجه صوب ستالينجراد من الجنوب. وبحلول نهاية أغسطس، كان التقدم الشمالي الشرقي للجيش الرابع تجاه المدينة قد تلاقى مع التقدم الشرقي للجيش السادس تحت قيادة الجنرال فريدريش باولوس، مع 330000 من أفضل جنود الجيش الألماني. ولكن الجيش الأحمر قاوم بإصرار، ولم يتراجع عن مواقعه إلا ببطء شديد، وبعد أن كلّف الجيش السادس الألماني خسائر فادحة في أثناء اقترابه من ستالينجراد.

الألمان يهاجمون ستالينجراد

في 23 أغسطس اخترقت قوة مهاجمة ألمانية الضواحي الشمالية للمدينة، وأمطرت القوات الجوية الألمانية (لوفتفافه) المدينة بقنابل حارقة والتي حرقت معظم المساكن الخشبية للمدينة. وتم دحر الجيش الثاني والستين السوفيتي إلى داخل حدود ستالينجراد، والذي تحت قيادة الجنرال فاسيلي آي. تشويكوف، قاوم ببسالة. وفي الوقت نفسه كان تركيز الألمان على ستالينجراد يستنزف بصورة مستمرة الاحتياطيات من جناح الجيش الذي كان مُجهدًا بالفعل بالاضطرار إلى الانتشار في مساحة شاسعة – 400 ميلًا (650 كيلومترًا) على اليسار (شمالًا)، حتى مدينة فورونيج، و400 ميلًا (650 كيلومترًا) على اليمين (جنوبًا)، حتى نهر تيريك. وبحلول منتصف سبتمبر كان الألمان قد دحروا القوات السوفيتية في ستالينجراد حتى لم تعد القوات السوفيتية تحتل سوى شريط بطول 9 أميال (15 كيلومترًا) من المدينة على طول نهر فولجا، وكان عرض الشريط يتراوح بين ميلين و3 أميال فقط (من 3 إلى 5 كيلومترات).

جنود سوفييت يستعدون لصد هجوم ألماني خلال معركة ستالينجراد

كان على السوفييت إمداد قواتهم من خلال الزوارق والقوارب عبر نهر فولجا من الضفة الأخرى. وفي هذه المرحلة أصبحت ستالينجراد مسرجًا للعمليات القتالية والأكثر تركيزًا في الحرب؛ فقد تقاتلت العديد من الوحدات الصغيرة للسيطرة على الشوارع، والمربعات السكنية، والمباني الفردية، والتي عادة ما خضعت لسيطرة قوات مختلفة مرارًا وتكرارًا. وقد تحولت المباني المتبقية إلى انقاض نتيجة القتال العنيف القريب منها. وكانت أخطر لحظات القتال عندما تراجع المدافعون السوفييت في 14 أكتوبر إلى الوراء بالقرب من نهر فولجا بحيث أصبح معابر الإمداد القليلة المتبقية على النهر تحت مرمى نيران المدافع الرشاشة الألمانية. ولكن معنويات الألمان كانت تضعف يومًا بعد يوم بسبب الخسائر الفادحة، والإرهاق، واقتراب فصل الشتاء.

الهجوم السوفيتي المضاد

جاءت نقطة التحول للمعركة مع هجوم سوفيتي مضاد، أُطلق عليه الاسم الرمزي عملية أورانوس في الفترة بين 19 و23 نوفمبرـ والذي كان قد خطط له الجنرال جيورجي قنسطنطينوفيتش جوكوف، وأليكساندر ميخائيلوفيتش فاسيلفسكي، ونيكولاي نيكولايفيتش فورونوف. وقد بدأ بقوتين مهاجمتين على شمال وجنوب نتوء الجيش الألماني الذي كان سنه متواجد في ستالينجراد بنحو 80 كيلومترًا. لقد فاجأ الهجوم المضاد الألمان تمامًا، حيث كانوا يظنون أن السوفييت غير قادرين على شن مثل هذا الهجوم. كانت العملية إحدى مناورات “الاختراق العميق”، حيث لم يهاجم السوفييت القوة الألمانية الرئيسية الموجودة في الجبهة الأمامية للمعركة في ستالينجراد، والتي كانت تتكون من 250 ألف مقاتل متبقي من الجيش السادس وجيش بانزر الرابع، وإنما هاجم السوفييت بدلًا من ذلك الجناحين الأضعف. كان هذا الجناحان مكشوفان في منطقة السهول المفتوحة المحيطة بالمدينة وكانا يحميهما بشكل ضعيف، الجنود الرومانيون، والمجريون، والإيطاليون الذين يعانون نقص السلاح، والإمدادات، والإنهاك، وانخفاض الروح المعنوية.

اخترقت الهجمات سريعًا الجناحين بعمق، وبحلول 23 نوفمبر تجمعت القوتان المهاجمتان في مدينة كالاتش على بعد 100 كيلوجرام تقريبًا غرب ستالينجراد، وبذلك اكتمل تطويق الجيشين الألمانيين المتواجدين في ستالينجراد. ناشدت القيادة العليا الألمانية هتلر بالسماح للجنرال باولوس وقواته بكسر التطويق وإعادة الانضمام إلى القوات الألمانية الرئيسية غرب المدينة، ولكن هتلر يفكر في الانسحاب من نهر فولجا وأصدر أوامره إلى الجنرال باولوس بالصمود والقتال. ومع دخول فصل الشتاء وتقلص الإمدادت الغذائية والطبية، أصبحت قوات باولوس أضعف وأضعف. وأعلن هتلر أنه سيتم إمداد الجيش السادس بواسطة القوات الجوية الألمانية (لوفتفافه)، ولكن لم تستطع عمليات النقل الجوي بتزويد الجيش السادس سوى بقدر ضئيل من الإمدادات الضرورية.

عملية عاصفة الشتاء

جنود سوفييت يركضون عبر خنادق في ستالينجراد

في منتصف ديسمبر أمر هتلر أحد قواده الأكثر كفاءة المشير إريش فون مانشتاين بتشكيل فيلق من القوات الخاصة لإنقاذ قوات باولوس من خلال القتال في اتجاه الشرق (عملية عاصفة الشتاء)، ولكن هتلر رفض السماح للجنرال باولوس بالقتال باتجاه الغرب من أجل الانضمام إلى قوات مانشتاين. وقد أدى هذا القرار الخاطئ إلى الحكم على قوات باولوس بالهلاك، حيث كانت قوات مانشتاين تفتقر إلى القوات الاحتياطية المطلوبة لكسر الحصار السوفيتي بمفردها. بعد ذلك استأنف السوفييت الهجوم (بدأت العملية زحل في 16 ديسمبر) لتضييق الخناق على الألمان المخاصرين، لمنع أي جهود أخرى لنجدتهم، ولتمهيد الطريق للاستسلام النهائي للألمان في ستالينجراد. في ذلك الوقت أصبح نهر فولجا متجمدًا، وتم إرسال قوات سوفيتية ومعدات فوق الجليد في عدة نقاط داخل المدينة.

نهاية معركة سالينجراد

استحث هتلر القوات اللأمانية المُحاصَرة على القتال حتى الموت، ووصل الأمر بهتلر إلى حد أنه قام بترقية باولوس إلى رتبة المشير، مذكرًا باولوس أنه لا يوجد ضابط ألماني بهذه الرتبة استسلم من قبل. ومع اقتراب الجيوش السوفيتية كجزء من العملية كولتسو [الحلقة]، التي بدأت في 10 يناير 1943، أصبح الموقف ميؤوسًا منه. فقد أحاط بالجيش السادس سبعة جيوش سوفيتية. وفي 31 يناير عصى باولوس هتلر ووافق على تسليم نفسه. واستسلم 22 جنرالًا معه، وفي 2 فبراير استسلم للسوفييت كل من بقي من الجيشين السادس والرابع والذين أصبح عددهم 91 ألف رجل فقط بعد أن عانوا الجوع والبرد القارس.

ضحايا معركة ستالينجراد

أسرى الحرب الألمان

انتشل السوفييت 250 ألف جثة للألمان والرومانيين بداخل ستالينجراد وحولها، ويُعتقد أن إجمالي ضحايا المحور (الألمان، والرومانيون، والإيطاليون، والمجريون) في معركة ستالينجراد قد بلغ أكثر من 800 ألف قتيل، وجريح، ومفقود، وأسير. ومن بين الـ91 ألف رجلًا الذين استسلموا، لم يرجع إلى وطنه سوى عدد يتراوح بين 5 آلاف و6 آللاف (آخرهم عاد بعد عقد كامل من نهاية الحرب في عام 1945). أما الباقون فقد ماتوف في السجون ومعسكرات الأشغال السوفيتية. وعلى الجانب السوفيتي، يقدر المؤرخون العسكريون الروس الرسميون أن عدد ضحايا الجيش الأحمر في معركة ستالينجراد قد بلغ مليون و100 ألف ما بين قتيل وجريح ومفقود وأسير في حملة الدفاع عن المدينة. كما تشير التقديرات إلى وفاة نحو 40 ألف مدني أيضًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *