حركة إلغاء الرق

حركة إلغاء الرق في أوروبا الغربية والأمريكتين، التي ظهرت في الفترة بين عامي 1783 تقريبًا و1888، هي الحركة المسئولة بصورة أساسية عن إيجاد المناخ العاطفي الضروري لإنهاء تجارة الرقيق عبر الأطلسي والعبودية.

حركة إلغاء الرق في أوروبا الغربية والأمريكتين، التي ظهرت في الفترة بين عامي 1783 تقريبًا و1888، هي الحركة المسئولة بصورة أساسية عن إيجاد المناخ العاطفي الضروري لإنهاء تجارة الرقيق عبر الأطلسي والعبودية. مع تراجع العبودية الرومانية في القرن الخامس، تضاءل هذا النشاط في أوروبا الغربية، وبحلول القرن الحادي عشر كان قد احتفى تقريبًا. ولكن استكشاف البرتغاليين للشاطئ الغربي لأفريقيا بدءًا من عام 1420 أوجد اهتمامًا بالعبودية في المستعمرات المنشأة حديثًا في أمريكا الشمالية، وأمريكا الجنوبية، وجزائر الهند الغربية، حيث أدت الحاجة إلى عمالة المزارع إلى ظهور سوق ضخمة للعبيد. وبين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، نُقل ما يُقدر بـ12 مليون أفريقي إلى الأمريكتين بالقوة.

ورغم وحشيته وعدم أدميته، لم يثر نظام العبيد معارضة كبيرة حتى القرن الثامن عشر، عندما بدأ مفكرو عهد التنوير في انتقاده بسبب انتهاكه لحقوق الإنسان، كما أدانته طائفة الفرندز المسيحية ومجموعات دينية إنجيلية أخرى بسبب صفاته غير المسيحية. وبحلول نهاية القرن التاسع عشر، كان الرفض الأخلاقي للعبودية واسع الانتشار، وفازت الإصلاحات المضادة للعبودية بعدد انتصارات سهلة على نحو خادع خلال تلك الفترة. ففي بريطانيا، حصل جرانفيل شارب على حكم قانوني في عام 1772 يقضي بأن مزارعي جزائر الهند الغربية لا يمكنهم الاحتفاظ بعبيد في بريطانيا، بما أن العبودية كانت مخالفة للقانون الإنجليزي. وفي الولايات المتحدة، ألغت جميع الولايات شمال ماريلند في الفترة بين عامي 1777 و1804. ولكن المشاعر المضادة للعبودية لم يكن لها أثر كبير على مراكز العبودية نفسها، وهي المزارع الكبيرة منطقة الجنوب العميق، وجزائر الهند الغربية، وأمريكا الجنوبية. وقد حول أنصار إلغاء الرق اهتمامهم إلى تلك المناطق، فبدأوا يعملون في أواخر القرن الثامن عشر لمنع استيراد العبيد الأفارقة في المستعمرات البريطانية والولايات المتحدة. وتحت قيادة ويليام ويلبرفورس وتوماس كلاركسون، نجحت هذه القوى في إلغاء تجارة العبيد إلى المستعمرات البريطانية في عام 1807. كما حظرت الولايات المتحدة استيراد العبيد في العام نفسه، رغم أن أنشطة التهريب واسعة الانتشار أستمرت حتى عام 1962 تقريبًا.

بعد ذلك ركزت القوى المعارضة للعبودية على الفوز بتحرير أولئك الأشخاص الذين لا يزالون يعيشون تحت أسر العبودية. وقد حققوا انتصارًا عندما أُلغيت العبودية في جزائر الهند الغربية البريطانية بحلول عام 1838 وفي ممتلكات فرنسا بعد ذلك بعشرة أعوام.

كان الموقف في الولايات المتحدة أكثر تعقيدًا لأن العبودية كانت ظاهرة محلية وليست ظاهرة استعمارية، حيث كانت تشكل القاعدة الاجتماعية والاقتصادية لمزارع 11 ولاية جنوبية. بالإضافة إلى ذلك، كانت العبودية قد اكتسبت حيوية جديدة عندما تطورت زراعة مربحة للغاية قائمة على القطن في الجنوب في بداية القرن التاسع عشر. واستجابة إلى هجمات أنصار إلغاء الرق التي وسمت هذا “النشاط الغريب” في الجنوب بأنه وحشي وغير أخلاقي، شدد الجنوب نظامه للتحكم في العبيد، ولاسيما بعد تمرد نات ترنر عام 1831. وبحلول ذلك الوقتـ أدرك أنصار إلغاء الرق الأمريكيون فشل سياسة التدرج والإقناع، وتحولوا بالتالي إلى سياسة أكثر تشددًا، مطالبين بالإلغاء الفوري بالقانون.

وربما أشهر مناصري حركة إلغاء الرق كان المحرض المشاكس ويليام لويد جاريسون، مؤسس الجمعية الأمريكية لمناهضة العبودية (1833-70). وهناك آخرون جاءوا من صفوف رجال الدين، من بينهم ثيودور دوايت ويلد وثيودور باركر؛ ومن عالم الأدب، جون غرينليف ويتيه، وجيمز راسل لويل، وليديا ماريا تشايلد؛ ومن مجتمع السود الأحرار، عبيد سابقين فصيحين مثل فريدريك دوجلاس وويليام ويلز براون.

عملت حركة إلغاء الرق الأمريكية في ظل عائق أنها كانت تهدد الانسجام بين الشمال والجنوب في الاتحاد، كما انها كانت تخالف دستور الولايات المتحدة الذي ترك مسألة العبودية للولايات الفردية. وبالتالي، ظل الشعب الشمالي معارضًا لتبني سياسة مناصرة لإلغاء الرق وكان مرتابًا في تشدد مناصري إلغاء الرق. ولكن أسهم عدد من العوامل في منح الحركة زخمًا متزايدًا. وكان العامل الرئيسي من بين تلك العوامل هو مسألة السماح بالعبودية أو تجريمها في الأراضي الغربية الجديدة، مع اتخاذ الشماليين والجنوبيين مواقف متشددة على نحو متزايد على طرفي النقيض إزاء تلك المسألة طوال أربعينات وخمسينات القرن التاسع عشر. كما كان هناك شعور بالاشمئزاز من قساوة صائدي العبيد بموجب قانون العبيد الهاربين (1850)، وتجاوب عاطفي بعيد المدى مع رواية هارييت بيتشر ستو المناهضة للعبودية Uncle Tom’s Cabin عام 1852، وهو الأمر الذي عزز أكثر من قضية مناصري إلغاء الرق.

بعد غارة المتطرف المناصر لإلغاء الرق جون براون على بلدة هاربرز فيري في 1859 أصبح الجنوب مقتنعًا بأن طريقة حياته بالكامل، القائمة على العمالة الرخيصة التي يوفرها العبيد تم تهديدها بصورة نهائية من خلال انتحاب أبراهام لنكون رئيسًا (نوفمبر 1860)، والذي كان قد عارض انتشار العبودية في الأراضي الغربية. وأدى ما لحق ذلك من انفصال الولايات الجنوبية إلى اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية (1861-65). إن الحرب التي بدأت كصراع مقاطعات على السلطة للحفاظ على الاتحاد، دفعت بدورها لنكون (الذي لم يكن أبدًا مناصرًا لإلغاء الرق) إلى تحرير العبيد في مناطق التمرد من خلال إعلان تحرير (1863) وأدت كذلك إلى تحرير جميع العبيد الآخرين في الولايات المتحدة من خلال التعديل الثالث عشر للدستور في عام 1865.

وفي ظل ضغط الرأي العام العالمي، تم إلغاء العبودية تمامًا في آخر معاقلها الباقية في أمريكا اللاتينية، في كل من كوبا في الفترة بين 1880 و1886 والبرازيل في الفترة بين 1883 و1888، وبالتالي لم يعد نظام العبودية الأفريقية موجودًا كظاهرة غربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *