تشي جيفارا

إرنستو جيفارا دي لا سيرنا، المعروف باسم تشي جيفارا، هو منظر ومخطط لحروب العصابات، وشخصية شيوعية بارزة في الثورة الكوبية، وزعيم حرب عصابات في أمريكا الجنوبية. بعد إعدامه من قبل الجيش البوليفي، نظر إليه أجيال من اليساريين في جميع أنحاء العالم باعتباره بطلًا شهيدًا، وأصبحت صورته رمزًا للراديكالية اليسارية ومعاداة الإمبريالية. ووُلد تشي جيفارا في 14 يونيو 1928 بمدينة روساريو بالأرجنتين، وتُوفي في 9 أكتوبر 1967 في قرية لاهيجيرا ببوليفيا.

كان جيفارا الأكبر من بين خمسة أطفال في أسرة من أصول إسبانية أيرلندية وتنتمي إلى الطبقة المتوسطة وذات ميول يسارية. وعلى الرغم من معاناته من الربو، امتاز كرياضي ودارس، وأكمل دراسة الطب في عام 1953. وكان يقضي العديد من عطلاته متنقلًا في أمريكا اللاتينية، وقد لاحظ الفقر الشديد الذي كانت تعانيه الجماهير، فأسهم هذا في استنتاجه النهائي بأن الحل الوحيد يكمن في الثورة العنيفة. وكان ينظر إلى أمريكا اللاتينية ليس باعتبارها مجموعة أمم منفصلة وإنما باعتبارها كيانًا ثقافيًّا واقتصاديًّا، والذي سيتطلب تحريره إستراتيجية عابرة للقارات.

وقد تغيرت نظرته إلى العالم بعد رحلة استمرت تسعة أشهر بدأها في ديسمبر 1951، عندما انقطع فترة عن مدرسة الطب، مع صديقه ألبرتو جرانادو. إن هذه الرحلة التي بدأت على دراجة نارية كانا يسميانها “القوية” (والتي تعطلت وتخلا عنها في وقت مبكر من الرحلة)، أخذتهما من الأرجنتين عبر تشيلي، وبيرو، وكولومبيا، ووصولًا إلى فنزويلا، والتي انتقل منها جيفارا وحده إلى ميامي، ثم عاد إلى الأرجنتين على متن طائرة. وخلال الرحلة، احتفظ جيفارا بمفكرة  والتي تم نشرها بعد وفاته تحت توجيه عائلته بعنوان Diarios de motocicleta (يوميات دراجة نارية) عام 2003 وتم تحويلها إلى فيلم في عام 2004.

في عام 1953، ذهب جيفارا إلى جواتيمالا، وهناك كان جاكوبو أربينز يترأس نظامًا تقدميًّا والذي كان يحاول إحداث ثورة اجتماعية. وقد أدت الإطاحة بنظام أربينز في عام 1954 في انقلاب مدعوم من وكالة الاستخبارات المركزية للولايات المتحدة إلى إقناع جيفارا أن الولايات المتحدة سوف تعارض دائمًا الحكومات اليسارية التقدمية. وقد أصبح هذا الاقتناع حجر الزاوية لخططه لتطبيق الاشتراكية عن طريق ثورة عالمية. وفي جواتيمالا تحول جيفارا إلى ماركسي متفان.

ثم غادر جواتيمالا إلى المكسيك، وهناك التقى بالأخوين الكوبيين فيديل وراؤول كاسترو، المنفيين السياسيين اللذين كان يعدان لمحاولة للإطاحة بالديكتاتور فولجينسيو باتيستا رئيس كوبا. وانضم جيفارا إلى حركة فيديل كاسترو التي تحمل اسم حركة 26 يوليو، والتي أرسلت قوة مكونة من 81 رجلًا (تشمل جيفارا) في مقاطعة أورينتي الكوبية في أواخر شهر نوفمبر 1956. واكتشف جيش باتيستا على الفور أمر هذه القوة، وكاد يقضي عليها تمامًا. ولكن القلة التي نجت، والتي كان من بينها جيفارا الجريح، وصلت إلى جبال سييرا ماسترا، وهناك أصبحوا نواة لجيش عصابات. واكتسب المتمردون قوة ببطء، واستولوا على الأسلحة من جيش باتيستا وحصلوا على دعم ومجندين جدد. وظهر جيفارا في البداية بمظهر طبيب القوة، ولكنه كان قد تدرب أيضًا على استخدام الأسلحة، وأصبح واحدًا من مساعدي كاسترو الموثوقين. في الواقع، رغم تدريب جيفارا كمعالج، كان يتصرف أحيانًا كمنفذ أحكام الإعدام (أو كان يأمر بتنفيذ الإعدامات) على الخونة المشتبه بهم والهاربين. وسجل العامين الذين قضاهما للإطاحة بحكومة باتيستا في كتاب Pasajes de la guerra revolucionaria (أحداث الثورة الكوبية) في عام 1963.

بعد دخول قوات كاسترو المنتصرة إلى هافانا في 2 يناير 1959، خدم جيفارا لعدة أشهر في سجن كابانا، وهناك أشرف على عمليات إعدام أفراد اُعتُبروا أعداءً للثورة. وأصبح جيفارا مواطنًا كوبيًّا، واحتل مكانة بارزة في الحكومة الماركسية القائمة حديثًا كما كان يحتل مكانة بارزة في الجيش الثوري، ومثل كوبا في العديد من المهام التجارية. كما أصبح مشهورًا في الغرب بسبب معارضته لجميع أشكال الإمبريالية والاستعمار الحديث ولمهاجمته لسياسة الولاية المتحدة الخارجية. وخدم كرئيس الإدارة الصناعية للمؤسسة الوطنية للإصلاح الزراعي، ورئيس البنك الوطني لكوبا، ووزيرًا للصناعة.

طرح جيفارا رؤية للمواطن الاشتراكي الجديد الذي يعمل لصالح المجتمع بدلًا من تحقيق مكاسب شخصية، وهي الفكرة التي جسدها من خلال عمله الجاد. فعادة ما كان ينام في مكتبه، ودعمًا لبرنامج العمل التطوعي الذي نظمه، كان يقضي يوم عطلته في العمل في أحد حقول قصب السكر. ولكن زاد إحباطه عندما تحولت كوبا إلى دولة عميلة للاتحاد السوفيتي، وشعر بأن السوفييت خدعوه عندما أزالوا صواريخهم من الجزيرة دون استشار القيادة الكوبية خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. وبدأ جيفارا ينظر إلى جمهورية الصين الشعبية وزعيمها ماو تسي تونج كمثال يحتذى به.

في ديسمبر 1964، سافر جيفارا إلى مدينة نيويورك، حيث أدان التدخل الأمريكي في الشؤون الكوبية وانتهاكاتها للمجال الجوي الكوبي في خطاب للجمعية العمومية للأمم المتحدة. وعند عودته لكوبا، وبسبب ازدياد خيبة أمله بحصوص التجربة الاشتراكية الكوبية واعتمداها على الاتحاد السوفيتي، بدأ جيفارا يركز انتباهه على دعم الثورة في مكان آخر. وبعد إبريل 1965، اعتزل الحياة العامة. وظلت تحركاته وأماكن تواجده في العامين التاليين سرًا. وقد عُلم بعد ذاك أنه كان قد انتقل إلى ما تُعرف اليوم بجمهورية الكونغو الديمقراطية مع مقاتلين كوبيين آخرين في ما ثبت أنه محاولة فاشلة لمساعدة كتيبة باتريس لومومبا، التي كانت تقاتل في حرب أهلية هناك. وخلال تلك الفترة استقال جيفارا من منصبه الوزاري في الحكومة الكوبية وتنازل عن جنسيته الكوبية. وبعد فشل جهوده في الكونغو، هرب أولًا إلى تنزانيا ثم إلى منزل آمن في قرية بالقرب من براج.

في خريف عام 1966، ذهب جيفارا إلى بوليفيا، متنكرًا (حليق شعر الرأس والذقن)، لإنشاء، وقيادة، مجموعة حرب عصابات في منطقة سانتا كروز. وبعد نجاحات قتالية أولية، وجد جيفارا ومجموعته أنفسهم مطاردين دائمًا من الجيش البوليفي. وفي 8 أكتوبر 1967، كاد يتم تصفية المجموعة بالكامل من قبل كتيبة قوات خاصة من الجيش البوليفي يساعدها مستشارين من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. وتم إلقاء القبض على جيفارا، الذي أُصيب في الهجوم، وتم إعدامه رميًّا بالرصاص. وقبل اختفاء جثته ودفنها بصورة سرية، تم قطع يديه، وتم حفظهما في مادة الفورمالديهايد حتى يمكن استخدامها بصماته بعد ذلك للتأكد من هويته.

في عام 1995، أعلن أحد كاتبي سيرة جيفارا الذاتية، وهو جون لي أندرسون، أنه قد كان قد علم أن جيفارا وعدد من رفاقه قد دُفنوا في مقبرة جماعية بالقرب من بلدة فاليجراند في وسط بوليفيا. وفي عام 1997، تم إخراج هيكل عظمي يعتقد أنه لذلك الثوري إلى جانب بقايا رفاقه الست ونُقلت الرفات إلى كوبا لدفنها عند نصب تذكاري ضخم في سانتا كلارا في الذكرى السنوية الثلاثين لوفاة جيفارا. (وفي الذكرى الثمانين لمولده، تم تخصيص نصب تذكاري آخر لجيفارا، وهو تمثال، في موطنه الأصلي، بمدينة روساريو، في الأرجنتين، في عام 2008، بعد عقود من الجدال العنيف بين مواطنيها حول تراثه. وفي عام 2007 أثار صحفي فرنسي وإسباني حججًا تفيد بأن الجثة التي نُقلت إلى كوبا لم تكن جثة جيفارا. ورفضت الحكومة الكوبية هذا الزعم، مقدمة أدلة علمية من عام 1997 (من بينها هيكل الأسنان) الذي، قيل أنه، أثبت أن الرفات تخص جيفارا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *